الخطوة الثالثة: إيقاف عجلة الماضي (ج 2).

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحبتي كيف الحال والأحوال، أتمنى أن تكونوا في أتم الصحة والعافية والأخبار الجميلة الطيبة كأرواحكم….

كثيرا ما نبحث عن السعادة، الطمأنينة، راحة البال، النجاح، والكثير والكثير من المشاعر الإيجابية والحالة المستقرة في الحياة، لكن أغلب الناس لا يصلون إلى ذالك المبتغى بسب عدد من المنغصات التي تحيط بهم في الحياة اليومية…. تكلمت في التدوينة السابقة وهي الجزء الأول عن الخطوات الأولى في إيقاف عجلة الماضي، والتي اعتبرها مهمة صعبة نوعا ما على الأغلبية لكنها ضرورية ويعتمد بقية عملية التغيير للأحسن ومدى نجاحها على مدى الأهمية التي أعطيت لهذه الخطوة والفعالية التي عولجت بها.

في الجزء السابق تحدثت عن ثلاثة أشياء مهمة وهي النية، عدم التسويف، والتخلي عن دور الضحية… إن كنت لم تقرأ التدوينة بعد أدعوك لذلك لأنه مهم لتسلسل الأفكار، لذلك تفضل هنا ثم بعد ذلك عد لهذه التدوينة….

في هذا الجزء سنتعمق أكثر في الموضوع ونحاول إصابة بعض الجوانب التي لم أقم بذكرها سابقا….

لمعرفة السبب الذي يجعل أن تعيش أحداث الماضي وذكرك له بشكل مستمر أمرا خطيرا يتطلب منك معالجة دقيقة

علينا أولا معرفة ماذا يحدث في العقل عند تذكر الماضي.

brain-with-jigsaw-puzzle_1275498

images

اكتشف علماء الأعصاب (أو الأطباء المختصين في علوم الأعصاب) أنه عندما يقوم شخص ما بتذكر ذكرى ما يتم إعادة تنشيط و تمثيل الحدث بأكمله على الفور في الدماغ التي غالبا ما تتضمن الأشخاص، والمواقع، والروائح، والموسيقى، وغيرها من العناصر.إستعادة ذكريات قديمة لها خاصية سينمائية. والأبحاث الحديثة تفسر لما يحدث ذلك.  الدماغ قادر على استدعاء الذكريات القديمة عن طريق جمع معا كل من العناصر المختلفة لخلق ذاكرة حية عن الماضي. يقوم قرن آمون (يقع قرن آمون في الفص الصدغي الوسطي للدماغ) بربط مختلف مناطق القشرة المخية الحديثة، ويجلبهم معا في حدث دائم، شامل ومتماسك أو ما يسمى بالشبكة العصبية التي تمثل حدثا معين من الذاكرة من ماضيك. هذا النوع من الذاكرة بالظبط يسمى بالذاكرة العرضية والتي تختلف عن الذاكرة الدلالية، وهي ذاكرة أحداث السيرة الذاتية (الأوقات والأماكن، والعواطف المرتبطة بها، وغيرها كمعرفة من، ماذا، متى، أين، لماذا). وهي مجموعة من التجارب الشخصية السابقة التي وقعت في وقت معين ومكان معين.دعوني أسرد لكم بإسهاب خصائص هذا النوع من الذاكرة:

  • تحوي شكلًا ملخصًا للتجربة من حيث الإدراك والحس والعاطفة.
  • تمر بفترات من النشاط والخمول من وقت لآخر.
  • يتم تذكرها بالترتيب الزمني لحدوثها.
  • قابلة للنسيان بسرعة.
  • بوساتطها يمكن حفظ بيانات وأحداث السيرة الذاتية بكل شخص, فوظيفتها الأساسية هي إمداد الشخص بذكريات عن ماضيه, وهو ما تعجز عنه الذاكرة الدلالية.
  • تتخذ عملية التذكر باستخدام الذاكرة العرضية شكلًا مجازيًا للسفر عبر الزمن, حيث يعود الشخص بذاكرته للماضي لتذكر بعض الأحداث, وغالبًا ما يتم استرجاعها على هيئة صور مرئية .
  • تعتمد الذاكرة العرضية على وعي الشخص بذاته وبالعالم المحيط, وبدون هذا الوعي لا يمكن أن تتكوّن الذاكرة العرضية ولا يمكن استرجاع الأحداث.
  • استخدام الذاكرة العرضية هو شيء مألوف لدى كل الناس, ويستطيع الشخص الطبيعي فهم مروره بحالة من الذاكرة العرضية وتمييزها عن أحلام اليقظة أو عن التخيل.

إذن أول شيء يلفت الإنتباه أن هذا النوع من الذاكرة لا يقوم بعرض الصور والأحداث فقط بل يقوم بتشغيل حواسك وعواطفك من جديد بنفس ما كانت عليه عند حدوث ما أنت بصدد تذكره، أي أنه كما سلف وذكرت أنه أشبه بالسفر عبر الزمن إلى الوراء طبعا لترى نفس المنظر وتشعر تماما بنفس الحواس التي شعرت بها في تلك اللحظة، فإن كان الأمر مبهجا فهنيئا لك، و إن كان الأمر مؤلما، حزينا، محبطا، يدعو إلى الكآبة فأدعوك لأن تفكر في الأمر مليا…

ثم تذكرك لأحداث الماضي يتم بوعي تام منك أي بمعنا آخر لا يجبرك أحد على ذلك بل هو مسؤوليتك الخاصة إما الإستمرار و إما تدارك الأمر والتوقف عند هذا الحد، ولا تستصعب الأمر فمجرد معرفتك أن هذه الذاكرة قابلة للنسيان بسرعة وأن تذكرها يتم بوعي تام منك فاعلم أن هذا الماضي الذي يشكل عقبة حقيقية في حياتك هو مجرد وهم بإمكانك نسفه في أي لحظة بإرادتك الخاصة وبوعي تام منك كذلك لكن في الجانب الذي يخدم مصلحتك ونجاحك في هذه الحياة…

pov-1

ولعل من الأمور المثيرة للإهتمام هو ظاهرة معينة لو أمعنت النظر والتفكر فيها لتداركت الموقف من نفسك بسهولة لأن حقا الإستمرار في ذلك ضرب من ضروب الجنون.سأطلب منك بأن تفكر فيما إذا كنت ترى نفسك في الأحداث كشخص منفصل عن كيانك خلال تذكرك لأحداث مضت، وكأن شخصا ما كان يصورك من زاوية أخرى، وبتذكرك للأحداث تعيد رؤية المشهد من الزاوية التي أعطيت لك أم أنك لا ترى نفسك داخل الأحداث ؟ فإن كنت لا ترى نفسك داخل المشهد فهذا يبقى في نفس الإطار الذي نتحدث فيه أنه مضر بك وبصحتك النفسية والجسدية كذلك وبنجاحك وإنجازاتك، ولكن الأدهى والأمر هو أن ترى نفسك داخل المشهد.إنه في الحقيقة شيء غير اعتيادي، فمن المعتاد أن معظم الذكريات الدائمة والمستمرة منها على الأقل ترى من وجهة نظرك الشخصية أو “first-person point of view”…. لكن الأبحاث الأخيرة مكنت من الخلاص إلى القول بأن الذكريات بإمكانها أن تخون الشخص عندما يراها من زاوية أخرى وكأنك عندما تتذكر الحدث تقوم بدور الراوي ، أو كشخصية أخرى في المشهد، مما يؤدي للحصول على ذكريات خاطئة أو كاذبة ولو بشكل جزئي…

الكلام في هذا الموضوع بالظبط عميق جدا وذو أبعاد كثيرة من الصعب أن ألخصها في تدوينة، لكن لنبسط الأمر فإن ما يحدث هو أنه عندما ترى نفسك في الحدث كشخص ثالث فأنت في ذكريات كاذبة لأنها أنى يمكنك أن ترى نفسك في تلك اللحظة، وبالتالي فإن أيا كان ما تراه فهو بنسبة كبيرة كذب وخاطئ، و إن كانت الأحداث مؤلمة وأنت ترى نفسك فيها تتعذب بكل أنواع الألم فاعلم أنك تجلد نفسك بنفسك مرارا وتكرارا بذكريات كاذبة…واستمرارك في المعانة قائم على وهم لا زلت مصرا على أن تعيشه بمحض إرادتك… هل لازلت إذن مصرا على الإستمرار أم قررت الإكتفاء؟

3293451-can-you-start-the-next-chapter-of-your-life

يبقى جانب مهم كذلك لننهي فقرة الأسباب التي تجعلك توقف عجلة الماضي بشكل نهائي، وهو أن عيشك في الماضي يمنعك من عيش اللحظة، من التقدم في الحياة، من إكمال المسيرة، من الوصول لأهدافك وتحقيق نجاحات جديدة. ومعنى العيش في اللحظة أن تكون في الزمان والمكان الحاضرين أي «هنا والآن».عدم عيشك في اللحظة يحرمك من لذات لا حصر لها، لأنك لا تراها رغم أنها أمامك، لا تتذوقها رغم أنها وهبت لك، لا تستمع لنغمتها الجميلة لأن أذنيك قد أصمها صوت الماضي، فتجد نفسك وسط أناس يحبونك لكنك لا تحس بجمال ذلك الحب لأنك تعيش في ماضي مع حبيب غدر، أو شخص فارقك أو فارق الحياة فيمنحك الله ما يعوضك لكنك تعيش في الماضي فكيف ترى ما هو أمامك؟… تجد نفسك وسط طبيعة خلابة وهدوء يشفي الأرواح والأبدان لكنك لا ترى ولا تسمع ولا تحس فبالك مشغول بترهات الماضي التي لا تنتهي من إعادتها، وإذا قيل لك أنظر لما حولك من جمال قلت أنا لا أرى شيئا فأنا قد حل بي كذا وكذا من المآسي…. وقد تكون قد وصلت لإنجاز طال انتظارك له لكنك مهموم حزين و إذا سئلت ما بك، قلت لقد جرى بي ما جرى لأصل هنا وقد عانيت وغدر بي فلان وطعنني فلان ولم أعد أعرف معنى الثقة في أي شخص و و و…. وتجد شخصا له أحباب وأصحاب وخيرات لكنه مكتئب مع ماضيه، و إذا سألته قال أنت لا تعرف ما مر علي في صغري ومدى معاناتي…. لكن مهلا كل شيء قد مضى وكل ما تتحدث عنه لا يمت بصلة لا للحظة الحالية ولا للمستقبل، أنت هنا والآن من الله عليك بنعم لا تعد ولا تحصى لكنك لا تعرف لها طعما ولا لونا بسبب حبسك لنفسك في سرداب الماضي.

عيشك في الماضي يمنعك من التقدم خطوة إلى الأمام، يمنعك من بدء حياة جديدة كما تريد، يمنعك من رؤية الجمال حولك، يمنع النور من أن يصلك، يمنعك من أن تعطي أجمل ما لديك، يمنعك من أن تستقبل الخير والبركة والوفرة وكل جميل وطيب… فبالله عليك أيهما أحسن؟

هنا أتمنى أن أكن قد أحطت بمعظم الأسباب التي تجعلك توقف هذه العجلة المظلمة وتعطيك القوة لتأخذ قرارا بالتقدم إلى الإمام وتغيير الوضع الحالي إلى الأحسن بإذن الله… أما الحلول والطرق التي تساعدنا على التخلص من هذا الماضي بشكل نهائي فسأتركها إلى التدوينة القادمة إن شاء الله بشكل مفصل لكي تكون الإفادة ذات وقع أكبر…

وإلى أن ألقاكم مرة أخرى دمتم في رعاية الله وحفظه أحبتي.


ملاحظة: جمع المعلومات كان مهمة صعبة قليلا، لأن محتوى الأبحاث أغلبه باللغة الإنجليزية، ولكي أترجم المصطلحات العلمية للعربية فإن ذلك يتطلب مني حوزة مصادر باللغة العربية التي تعطيني بعض المعلومات والتي للأسف هي غير موجودة، وهو شيء محزن لكنه يشجع كذلك بالنسبة للأشخاص المهتمين بالترجمة لكي يقوموا بترجمة المحتوى العلمي أكثر فأكثر… اللهم القليل من المعلومات من ويكيبيديا والتي هي قليلة جدا. لذلك واجهت صعوبة نوعا ما في إثراء الموضوع بالمعلومات العلمية.


sticker,375x360

الأجزاء السابقة:

الخطوة الأولى… هل هناك خطأ ؟

الخطوة الثانية: إدراك الخطأ، وتقبل وجوده

الخطوة الثالثة: إيقاف عجلة الماضي (ج 1).

Advertisements

8 thoughts on “الخطوة الثالثة: إيقاف عجلة الماضي (ج 2).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s